الشريف الرضي
251
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
إن المراد بذلك أن يفعل أسباب الذبح لا الذبح نفسه ، كالاضجاع على الأرض ، وأخذ المدية ، والربط ، وما في معنى ذلك ، فيكون بسبيل الذابح ، لان من عادتهم أن يسموا سبب الشئ باسمه ، على الوجه الذي قدمنا ذكره . ومما يقوي ذلك : ( أن المراد بالذبح ههنا ما ذكرناه ) قوله : ( اني أذبحك ) ، ولم يقل : اني ذبحتك ، لان قوله : ( اني أذبحك ) يصلح للحال والاستقبال ، حتى تدخل السين أو سوف عليه ، فتخصصه للاستقبال ، فيكون المعنى أني عازم على ذبحك وآخذ فيه ومريد له ، بتعاطي الأسباب التي ذكرناها ، فصح حينئذ أن يقول سبحانه - وإن لم يحقق إبراهيم الذبح - : ( قد صدقت الرؤيا ) ، ولو قال : إني أرى أني ذبحتك ، لم يكن مصدقا لذلك ، حتى يوقع الذبح نفسه ، فافهم الفصل بين الامرين فإنه واضح بين وجلي نير ! . ومثل ذلك قوله تعالى : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين . . . ) [ 1 ] ، وإنما أراد به تعالى : إذا حضرتكم أسباب الموت ، ورأيتم أماراته ، وأحسستم بمقدماته ، لان المراد لو كان الموت نفسه لاستحال ان يقدر الانسان على الوصية ، كما يستحيل من الميت الأمر والنهي والقول والفعل . وقال بعضهم : يجوز أن يكون المراد بقوله : ( فقد رأيتموه ) أي : علمتموه ، كقول القائل : رأيت فلانا عاقلا ، ورأيت فلانا جاهلا ، أي : علمته على هذه الصفة ، وقد يقول الأعمى : رأيت زيدا قويا
--> ( 1 ) البقرة : 180